جلال الدين السيوطي

103

الإتقان في علوم القرآن

الاستغراق ؛ مع أنه ارتاب فيه المرتابون ، لكن نزّل منزلة العدم ، تعويلا على ما يزيله من الأدلة الباهرة ، كما نزّل الإنكار منزلة عدمه لذلك . وقال الزمخشري « 1 » : بولغ في تأكيد الموت تنبيها للإنسان على أن يكون الموت نصب عينيه ، ولا يغفل عن ترقبه ، فإنّ مآله إليه ، فكأنه أكّدت جملته ثلاث مرات لهذا المعنى ، لأنّ الإنسان في الدنيا يسعى فيها غاية السعي ، حتى كأنّه يخلد . ولم يؤكد جملة البعث إلّا بإنّ لأنه أبرز في صورة المقطوع به الذي لا يمكن فيه نزاع ، ولا يقبل إنكارا . وقال التاج بن الفركاح : أكّد الموت ردّا على الدهريّة القائلين ببقاء النوع الإنسانيّ خلفا عن سلف ، واستغنى عن تأكيد البعث هنا ، لتأكيده والردّ على منكره في مواضع ، كقوله : قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [ التغابن : 7 ] . وقال غيره : لمّا كان العطف يقتضي الاشتراك ، استغنى عن إعادة اللّام ، لذكرها في الأول . وقد يؤكّد بها - أي : باللام - للمستشرف الطالب الذي قدّم له ما يلوح بالخبر ، فاستشرفت نفسه إليه ، نحو : وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا [ هود : 37 ] أي : لا تدعني يا نوح في شأن قومك . فهذا الكلام يلوّح بالخبر تلويحا ، ويشعر بأنه قد حقّ عليهم العذاب ، فصار المقام مقام أن يتردد المخاطب في أنهم : هل صاروا محكوما عليهم بذلك أو لا ؟ فقيل : إنهم مغرقون بالتأكيد . وكذا قوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ [ الحج : 1 ] لمّا أمرهم بالتقوى وظهور ثمرتها ، والعقاب على تركها محلّه الآخرة ، تشوّفت نفوسهم إلى وصف حال الساعة ، فقال : إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [ الحج : 1 ] . بالتأكيد ، ليقرّر عليه الوجوب . وكذا قوله : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي [ يوسف : 35 ] فيه تحيير للمخاطب ، وتردّد في أنه كيف لا يبرّئ نفسه وهي بريئة زكية ، ثبتت عصمتها وعدم مواقعتها السوء ، فأكّده بقوله : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ يوسف ؛ 53 ] . وقد يؤكّد لقصد الترغيب ، نحو : فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ البقرة : 37 ] أكّد بأربع تأكيدات ترغيبا للعباد في التوبة . وقد سبق الكلام على أدوات التأكيد المذكورة ومعانيها ومواقعها في النوع الأربعين .

--> ( 1 ) انظر البرهان 3 / 381 .